المعمدان والمسيح

وإذا كان الشعب ينتظر، والجميع يُفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح، أجاب يوحنا الجميع قائلاً: أنا أُعمدكم بماء، ولكن يأتي من هو أقوى منى الذى لست أهلأً أن أحل سيور حذائه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار. الذى رفشه في يده وسيُنقي بيدره، ويجمع القمح إلى مخزنه، وأما التبن فيحرقه بنار لا تُطفأ (لو 3: 15 - 17)

لاحظوا بإعجاب جمال طريقة حياة يوحنا الذي لا يقارن، ولمعان سلوكه، وتقواه الفائقة التى لا تجارى، لأنه كان عظيماً جداً ومثيراً للإعجاب حتى أن جمهور اليهودى بدأوا يفكرون عنه هل هو المسيح نفسه الذى وصفه الناموس لهم فى ظلال وسبق الأنبياء القديسين فأخبروا عنه.

ولأن البعض تجرأوا أن يفكروا هكذا لذلك نرى المعمدان يقطع ظنونهم فى الحال مقدماً كعبد، الكرامة التى تليق بالسيد وناسباً المجد لذلك الذى يفوق الكل أى المسيح، لأنه كان يعرف أن المسيح أمين لأولئك الذين يخدمونه، وما يعترف به يوحنا إنما هو الحق تماماً لأن المسافة التى تفصل بين الله والإنسان تفوق القياس. لذلك فهو يقول "أنتم أنفسكم تشهدون لى أنى قلت لست أنا المسيح، بل إنى مُرسل قدامه" (يو 3: 28).

لذلك فإنه عظيم بالحقيقة ومثير للإعجاب هو يوحنا السابق للمسيح الذى ظهر كنور الفجر قبل ظهور نور المخلص الساطع، وهو المقدمة لنور النهار الروحي. وهو جميل كنجم الصبح ويدعى مصباح الله الآب (انظر إش 62: 1)

وبعد أن أعلن عن نفسه أنه ليس هو المسيح، فإنه الآن يقدم براهين - يجب أن نتناولها بالضرورة - ومن هذه البراهين يمكن أن نعرف المسافة الشاسعة جداً التى تفصل بين الله والإنسان، بين العبد والرب، بين الذي يخدم وذاك الذى تُقدم له الخدمة، بين الذى يتقدم كخادم والذي يضئ ساطعاً بالكرامة الإلهية :

  • أولاً: أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتى بعدي من هو اقوى منى الذى لست مستحقاً أن أنحنى وأحل سيور حذائه: إن الاختلاف لا يمكن مقارنته، والعلو لا يمكن قياسه، وذلك لان المعمدان المبارك، وهو عظيم جداً فى الفضيلة يُعلن أنه غير مستحق حتى أن يلمس حذائه... إن كانت القوات العقلية فى السماء الرئاسات والعروش، والربوبيات، والسيرافيم المقدسين أنفسهم الذين يقفون حول العرش الإلهي وهو رتبة الخدام، كل هؤلاء يباركونه بتسابيح بلا انقطاع كرب الكل، فهل يستحق ساكن الأرض حتى أن يقترب من الله؟ فرغم أنه يحب الإنسان وهو حليم لطيف لكن ينبغى أن نعترف بضعف طبيعتنا.
  • ثانياُ: أنا أعمدكم بماء، أما هو فسيعمدكم بالروح القدس ونار. وهذا أيضاً له أهمية عظيمة لكى يبرهن ويوضح أن يسوع هو الله والرب. لأن هذه الخاصية الوحيدة والمميزة للجوهر الذي يفوق الكل. وهي أن يكون فى استطاعته أن يمنح للناس سكني الروح القدس، ويجعل أولئك الذين يقتربون منه شركاء للطبيعة الإلهية.
  • ثالثاً: رفشه في يده ويجمع القمح إلى المخزن وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ: فنحن الذين على الأرض نُدعي سنابل قمح ونسمي بالحصاد. وهذا الحصاد هو مِلك لله فوق الكل لأنه هو رب الكل. ولكن انظروا! فإن المعمدان المبارك يقول إن البيدر يخص المسيح إذ هو ملك له، ولذلك فهو الذى ينقيه إذ يزيل ويفصل التبن من القمح لأن القمح يشير إلى الأبرار الذين لهم إيمان ثابت وراسخ. أما التبن فيشير إلى ضعاف الفكر والذين يغوي قلبهم بسهولة. وهو خائفون وجبناء ويُحملون بأى ريح، ويقول إن القمح حينئذ يُجمع فى المخزن أى يحسب مستحقاً للأمان فى يد الله ومستحقاً للرحمة والحماية والحب، أما التبن فيُحرق فى النار كمادة لا نفع لها.

القديس كيرلس الكبير - تفسير إنجيل لوقا