صعود السيد إلى السماء[1]

[ألقى الذهبي الفم هذه الخطبة نهار عيد الصعود الإلهي في كنيسة مكرسة على اسم الشهداء وكان وُضِع فيها رفاتهم المقدس. وقد خرج بشعبه من مدينة انطاكية ليحتفل بالعيد في كنيسة الشهداء إجلالًا لهم. أما سنة الإلقاء فمجهولة]

هذا اليوم البهي الساطع نكمل العيد خارج المدينة أيضًا. على أننا نفعل ذلك لا احتقارًا للمدينة بل اهتمامًا منا بتكريم الشهداء، حتى لا يشتكي منا هؤلاء القديسون ويقولوا: «ألا نستحق أن نشهد احتفال يوم واحد يُقام لسيدنا في منازلنا، ألسنا أهلًا نحن الأولى أهرقنا دمنا لأجل الله وتشرفنا بأن بُترت هاماتنا بسببه لأن ننظر يوم عيده محتفلًا به في مساكننا؟» - لذلك تركنا المدينة وأسرعنا عند أقدام هؤلاء القديسين في هذا النهار لنستمنحهم العفو عما فاتنا في الزمان الماضي ... إذًا جئنا بكم إلى هنا لكي يصبح المحفل أكثر بهاءً والمشهد أعظم سناءً إذ يتألف لا من البشر فحسب بل من الشهداء أيضًا، وليس من الشهداء فقط بل يضاف إليهم الملائكة لأن الملائكة أيضًا يحضرون ههنا. فاليوم إذًا أصبح المحفل محفل ملائكة وشهداء. أتريد أن ترى الملائكة والشهداء؟ إفتح عيني الإيمان تبصر هذا المشهد. فإذا كان الملائكة يملأون الجو فبأولى حجة هم يملأون الكنيسة، وإذا كانوا يملأون الكنيسة ففي هذا اليوم الحاضر بالأخص الذي فيه صعد سيدهم ...

فما هذا الموسم الحاضر أيها الأحباء؟ انه لموسم جليل عظيم يفوق عقل البشر وهو لائق بكرم الله الذي صنعه. فاليوم كملت مصالحة جنس البشر مع الله، اليوم انتهت العداوة الزمنة والحرب الطويلة أخذت حدًا، اليوم استتب سلام عجيب لم نكن نحلم به قبلًا. فمن كان يرجو أن يتصالح الله مع الإنسان؟ لا لأن السيد قاسي الفؤاد بل لأن الخادم متوانٍ، لا لأن الرب ظلوم عاتٍ بل لأن العبد مُنكر للجميل. أتريد أن تعرف كم أغضبنا سيدنا لعطوف الحليم الصالح الذي دبر كل شيء لأجل خلاصنا؟ لقد فكر يومًا في بادة الجنس البشري عن آخره وقد بلغ منه الغضب علينا حتى عزم أن يهلكنا مع نسائنا وأولادنا وبهائمنا وجميع أرضنا. وان شئت فأنا مورد على مسامعك صورة القضاء المبرم: «أمحو الإنسان الذي خلقت على وجه الأرض الإنسان مع البهائم والماشية لأني ندمت على خلقي للإنسان» (بحسب النص الذي أورده الذهبي الفم). (تك 6: 7). مع ذلك نحن الذين غير أهل لهذه الأرض ها قد رُفعنا اليوم إلى السماوات، ونحن الذين لا نستحق أن نملك على الأرض قد صعدنا إلى الملكوت العلوي وجزنا السماوات واستولينا على العرش الملكي، وطبيعتنا التي كان الكروبون يحرسون الفردوس بإزائها تجلس اليوم فوق الكروبين ... ان السيد قدَّم اليوم للآب باكورة طبيعتنا وإذ أُعجب الآب بهذه التقدمة نظرًا لكرامة المقدﱢم وطهارة المقدَّم تناولها بين يديه ووضعها بجانبه وقال: «إجلسي عن يميني» فلأية طبيعية قال الله «إجلسي عن يميني؟» - لتلك التي سمعت قِدَمًا «أنتِ تراب وإلى التراب تعودين». ألا يكفيها أن تجوز السماوات؟ ألا يكفيها أن تقف بين الملائكة، أما كان ذلك شرفًا لا يوصف؟ لكنها تخطت الملائكة وتجاوزت رؤساء الملائكة، عبرت بين الكروبين وصعدت فوق السرافين، تعدَّت الرئاسات ولم تقف حتى استوت على العرش السيدي. ألا ترى المسافة بين السماء والأرض؟ أو بالحري فلنبدأ من أسفل: ألا ترى ما أعظم المسافة من الجحيم إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى السماء العليا، ومن السماء العليا إلى الملائكة فإلى رؤساء الملائكة فإلى القوات العلوية فإلى عرش الملك نفسه؟ لقد جاز السيد بطبيعتنا كل تلك المسافة ورفعها إلى ذلك العلو. فانظر الآن إلى أين سقطت ثم إلى أين صعدت، لعمري انه لا يمكن أن ينزل الإنسان أسفل مما نزل ولا أن يرفع إلى مقام أسمى من المقام الذي رُفع إليه. وهذا ما أبانه القديس بولس إذ قال: «ذاك الذي نزل هو الذي صعد أيضًا» (أفسس 4: 10) فإلى أين نزل؟ إلى أقصى أسافل الأرض لذلك صعد فوق جميع السماوات.

تأمل من الذي صعد وأية طبيعة صعدت وما حالة هذه الطبيعة قبل صعودها. إني أقف مليًا وبكل ارتياح متأملًا في حقارة جنسنا لكي أتملَّى من فهم محبة السيد للبشر: لقد كنا ترابًا ورمادًا ولا ذنب علينا في ذلك لأن هذا الانحطاط ملازم للطبيعة لكننا أصبحنا أقل عقلًا من العجماوات: «قيس الإنسان بالبهائم التي لا عقل لها وشُبه بها» (مزمور 48: 21). بيد أن هذا التشبه بالبهائم يجعل الإنسان أحط منها. فمن كان غير عاقل بالطبيعة وثبت على ذلك فجرمه ليس عليه بل على الطبيعة. أما من شُرﱢف بالعقل ثم سقط إلى تلك الدركة من الحماقة فجرمه على إرادته. إذًا حينما تسمع أن الإنسان يُشبَّه بالعجماوات فلا تظن أن الكتاب يريد أن يساوي أولئك البشر بها بل أن يظهرهم أحط منها، فاننا صرنا أدنأ منها وأقل شعورًا لا لكوننا ونحن بشر قد وصعنا نفوسنا في مرتبة البهائم بل لأننا أنزلناها إلى غباوة أعظم وذلك ما أوضحه أشعيا بقوله: «عرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه لكن اسرائيل لم يعرف» (أشعيا 1: 3). لكن لا نخجلنَّ بسبب ما قلنا لأنه «حيث كثرت الخطيئة هناك طفحت النعمة» (رومية 5: 20). رأيت كيف كنا أحط البهائم، أتريد الآن أن ترانا أقصر عقلًا من العصافير نفسها؟: «ان اليمامة والسنونوة وعصافير الحقل عرفت أوقات رجوعها أما شعبي فلم يعرفوا أحكامي» (إرميا 8: 7). إذًا ها نحن قد حُسبنا أقصر عقلًا من الحيوانات وأقل فهمًا من الطيور، من اليمامة والسنونوة. أو تريد شاهدًا آخر على مذلَّتنا؟ ان الكتاب يرسلنا إلى مدرسة النمل بعد أن فقدنا ذكاءنا الفطري ويقول: «اذهب إلى النملة وانظر طُرقها» (أمثال 6: 6). لقد أصبحنا تلامذة للنمل نحن الذين خلقنا على صورة الله، لكن ليس الخالق سبب هذا الانقلاب بل نحن الذين لم نستمر على صورته. وما بالي أتكلم عن النمل وقد صرنا أقل إحساسًا من الحجارة؟ أتريد شهادة على ذلك أيضًا؟: «إسمعي ايتها الجبال ويا أُسس الأرض فإن للرب خصومة مع شعبه» (ميخا 6: 2). أيها السيد انك تحاكم البشر وتستدعي أُسس الأرض؟ يجيب: نعم لأن البشر هم اقل إحساسًا من قواعد الأرض. أتود أن تبحث عن هوان أشد من هذا الهوان بعد أن اعتُبرنا أقل إدراكًا وأقل فهمًا وأكثر غباوة من السنونوة واليمامة وأنقص فطنة من النمل وأقل إحساسًا من الحجارة؟ فإننا حاكينا أيضًا الأفاعي لأن «غضب بني البشر، يقول الكتاب، كشبه الحية» (مزمور 57: 5). «وسُم الأفاعي تحت شفاهه» (مزمور 139: 4). وما بالي أقف عند نقص العقل الجدير بالعجماوات وقد دُعينا أبناء الشيطان نفسه: «أنتم من أبٍ هو إبليس» (يوحنا 8: 44). ومع ذلك فنحن الجهال الأغبياء الحمقى، نحن الذين فُقنا الحجارة من الجمود، نحن المتسفـلين أكثر من كل كائن، نحن الأدنياء الأذلاء، وماذا أقول أيضًا وبماذا أنطق بل أي كلمات تعبر عن فكري؟ نحن أُولي الطبيعة الخسيسة، نحن ألقل فهمًا ما بين جميع الخلائق، ها قد أصبحنا اليوم ارفع من كل مخلوق.

اليوم قبل الملائكة ما تشوَّقوا إليه، اليوم أبصروا رؤساء الملائكة ما رغبوا أن يروه منذ القِدَم، اي أن يروا طبيعتنا مشرقة وهي جالسة في العرش الملكي وساطعة بالمجد والبهاء الخالد. أجل ان الملائكة ورؤساء الملائكة تمنَّوا أن يعاينوا ذلك. ولو ان هذه الكرامة قد فاقت كرامتهم فقد سُروا لما نلناه من الخيرات كما أنهم تألموا عندما حلَّ بنا العقاب ...

ان موسى بعد أن مال شعبه إلى عبادة العجل قال لله: «إن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبته» (خروج 32: 32). وحزقيال حينما رأى الملاك يقتل الشعب صرخ منتحبًا وقال: «آه أيها الرب السيد انك تمحو بقية اسرائيل» (حزقيال 9: 8) وكذلك ارميا ابتهل قائلًا: «أدبنا يا رب لكن بإنصاف لا بغضبك لئلا تبيدنا» (ارميا 10: 24). فإذا كان موسى وحزقيال وارميا قد تألموا من تلك الشرور أفتطنون أن الملائكة لم يتألموا لما حدث لنا؟ - وقائلٍ ما الشاهد على هذا المقال؟ - اُجيب: لكي تعلم أنهم يعتبرون ما يحدث لنا كأنه حادث لهم، أنظر كم أبدوا من الفرح يوم عرفوا أننا قد تصالحنا مع الله. فلو لم يكونوا قد حزنوا من قبل لما فرحوا بعد ذلك. أما كونهم قد فرحوا فواضح من كلمات المسيح: «هكذا يكون فرح عند ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب» (لوقا 15: 10) فإذا كان الملائكة يفرحون متى رأوا خاطئًا واحدًا يتوب فكيف لا يطيرون اليوم فرحًا إذ يرون طبيعتنا كلها، وهي ممثلة في باكورتها، داخلة إلى السماء؟ ...

يتابع الإنجيلي قائلًأ: «وبينما هم شاخصون نحو السماء وهو منطلق إذا برجلين وقفا عندهم بلباس أبيض وقالا لهم: أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء إن يسوع الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما عاينتموه منطلقًا إلى السماء.» (أعمال 1: 10 و 11).

أرجو أن تعيروني هنا كل انتباهكم. لماذا قال الملاكان ذلك، أليس للتلاميذ عيون، ألم يشهدوا الحادث، ألم يقل الإنجيلي: «انه صعد عنهم وهم شاخصون إليه» فلأي سبب حضر الملاكان يخبرانهم بأنه صعد إلى السماء؟ ذلك لسببين: الأول لأنهم كانوا متألمين لانفصال المسيح عنهم. إسمع ما قال لهم سابقًا: «ليس أحد منكم يسألني إلى أين تنطلق ولكن لأني كلمتكم بهذا ملأت الكآبة قلوبكم» (يوحنا 16: 5 و 6). إن كنا لا نطيق الانفصال عن أصدقائنا وأقاربنا فكيف يتجلد الرسل على فراق المخلص والمعلم والكافل الودود الوديع الصالح وهم يرونه منفصلًا عنهم؟ كيف لا يتوجعون؟ كيف لا تتفطَّر قلوبهم حزنًا؟ لذلك وقف بهم الملاكان ليعزياهم عن صعوده ببشرى مجيئه الثاني: «إن يسوع سيأتي هكذا كما عاينتموه» فلا تجزعوا ولا تسترسلوا إلى الحزن المفرط ... ذلك هو السبب الأول لحضور الملاكين. أما السبب الآخر فلا يَقِل عنه أهمية وهو متضمن في كلمتي «إلى السماء» اللتين أُضيفتا إلى ما قبلهما: «إن هذا الذي ارتفع عنكم». فما السر في ذلك يا ترى؟ هو أنه لمَّا أخذ في ارتقائه وجهة السماء وبلغ منها شأوًا بعيدًا لم تعد الأبصار قادرة على رؤية جسده الصاعد دومًا نحو الأعالي. فكما أن العصفور الطائر في العلاء يختفي عن نظرنا على قدر ما يرتفع في الجو هكذا جسد المخلص كان يختفي بمقدار ما كان يطير في الأعالي إلى أن عجزت النواظر الضعيفة عن أن تتبعه بسبب بُعد المسافة. لذلك حضر الملاكان وأخبرا التلاميذ بأن صعوده كان في الحقيقة «إلى السماء» لئلا يظنوا أنه صعد «كأنما إلى السماء» على مثال إيليا (دون أن يبلغ إليها) ولذلك قالا: «إن هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء» لغاية في نفسهما وليس عرضًا كما رأيتم.

إن إيليا صعد كأنه إلى السماء لأنه عبد، أما يسوع فصعد إلى السماء لأنه السيد ذاك في مركبة نارية وهذا في سحابة. لما حان أوان استدعاء العبد أُرسلت المركبة، وإذ حضر وقت استدعاء الابن أرسل العرش الملكي وليس العرش الملكي فقط بل العرش الأبوي نفسه لأن أشعيا قال عن الآب: «هوذا الرب يجلس على سحابة خفيفة» (أشعيا 19: 1). إذًا بما أن الآب جالس على سحابة قد أُرسل السحابة إلى الابن. حين أُصعد إيليا أهبط وشاكه على أليشاعٍ، ولما صعد يسوع أهبط على تلاميذهمواهب قادرة أن تصنع لا نبيًا واحدًا بل ألوفًا من أمثال وأعظم وأمجد منه

فلننتصب إذًا أيها الأحباء ولنوجه أنظارنا إلى ذلك المجيء الثاني. يقول بولس الرسول: «إن الرب نفسه عند الهتاف عند صوت رئيس الملائكة سينزل من السماء ونحن الأحياء الباقين نُختطف في السحب لنلاقي المسيح في الجو» (1 تسا 4: 15 و 16 بحسب النص اليوناني). لكن لا جميعنا لأن الجميع لا يختطفون بل البعض يبقون والآخرون يختطفون. فالخطاة يتركون ههنا منتظرين عقابهم أما الصديقون فيختطفون على السحب. فكما انه متى قدم الملك يخرج لاستقباله إلى خارج المدينة أصحاب المراتب والسلطان والذين يتمتعون عنده بخطوة كبيرة، أما الجناة والمجرمون فيبقون في سجونهم منتظرين قضاء الملك، هكذا عندما يوافي الرب فالذين نالوا حظوة لديه يلاقونه في وسط الجو، أما المجرمون والمثقلون بخطايا كثيرة فينتظرون دينونتهم.

«ونحن أيضًا نُختطف...» انني لا أحسب نفسي في عداد هؤلاء الذين سيُختطفون لأني لم أبلغ من الغرارة والجهالة إلى حد أن أتناسى خطاياي. ولولا خوفي من ان أُعكر لذة هذا العيد لبكيت بمرارة عند ذكري لذلك الصوت الذي أعاد إلىَّ ذكر خطاياي. لكن بما اني لا أريد أن يمازج الحزن سرور هذا العيد أختم هنا خطابي وحسبي ان جددت في خاطركم ذكر ذلك اليوم الأخير لكي لا يفرح الغني بغناه ولا يحزن الفقير على فقره بل ليفحص كل في نفسه فيرى أن غناه أو فقره في ضميره. فالغني لا يستوجب الغبطة ولا الشفقة بل مغبوط ومثلث الغبطة ذاك الذي يؤهل لأن يختطف في الغمام ولو كان أفقر الجميع، وتاعس ومثلث التعاسة ذاك الذي لا يؤهل لذلك ولو كان أغنى الجميع. ولقد قلت ذلك لكي نبكي نحن الخطأة على نفوسنا، ولكي يثق كل العائشين بالفضائل، ولا يثقوا فقط بل فليطمئنوا بالا. ولا يكتفِ الخطأة بالبكاء بل فليفيروا سيرتهم إذ يُتاح للخاطئ أن يبتعد عن التجربة ويعود إلى الفضيلة فيستطيع أن يعادل الذين عاشوا منذ البدء في الصلاح. أما الذين يعرفون أنهم سائرون في الفضيلة فليداوموا على التقوى ويزيدوا دائمًا هذا الكنز الثمين ولينموا فيهم الرجاء الذي لهم. وأما نحن الخائفين والذين نشعر في ضمائرنا بخطايانا الجمة فلنغير مسلكنا حتى إذا ما وصلنا إلى ثقة أولئك نستقبل جميعًا معًا بالاكرام الواجب ملك الملائكة ونتنعَّم بفرح الطوباويين في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والعزة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.


[1] الياس كويتر المخلِّصي، خطيب الكنيسة الأعظم: القديس يوحنا الذهبي الفم (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٢)، ٣٢٧- ٣٣.