اختتنوا للرب - الحواس المختونة

«اختتنوا للرب وانـزعوا غُرَل قلوبكم» (إر 4: 4)

ان الختان في مضمونه الكلِّي على مدى العهد القديم كان في نظر الرب علامة ارتباط بين الإنسان والله، عجز الإنسان أن يتمِّم شروطها الروحية الداخلية، فانحصرت في حدودها الجسدية فقط، وبذلك فقدت عملها الشفائي الكلِّي أو الخلاصي.

اما الغلفة فهي ترمز إلى الغلاف اللحمي، الذي يجعل القلب والآذان والشفاه حساسة للشهوة واللذة والنجاسة والانفعال بالغرائز اللحمية الحيوانية، فتنصدَّ عن كل ما هو طاهر ومقدَّس وروحي! ... فالختان ليس مجرد علامة في لحم أعضاء التذكير بقطع غلفة الذكر، بل يتعدى ذلك إلى الشفاه والآذان والقلوب. فأعضاء الإنسان كلها ذات غلفة، أي ذات غطاء جلدي يمنعها من الإحساس والاستجابة، وتحتاج إلى ختانة!!

فالشفاه الغلفاء لا تستطيع أن تبشر باسم الله وقوته وكلمته، حيث الغلفة هنا تفيد النجاسة. موسى كان يحس بأن شفتيه كانتا غلفاوتين. إشعياء النبي كذلك. من هنا كان الإحساس العميق بالحاجة إلى التطهير بالدم أو بالنار... فعندما نمتنع عن كلام النميمة ونمسك لساننا ونقمعه، يكون لنا الفم المختون.

وكذلك الآذان الغلفاء، يصفها إرميا النبي بأنها لا تستطيع أن تصغي إلى كلمة الرب ولا أن تحترمها إذ تصير كلمة الرب وكأنها عار، تتحاشى سماعه، وإذا سمعتها لا تسرُّ بها!! ولكن تختتن الأذن إن كانت لا تسمع الشتائم وكلمات المجدفين والنمامين، إذا كانت قد انغلقت أمام الوشاية الخاطئة والكذب والغضب، "يسد أذنيه عن سمع الدماء" (إش 33: 5)، ولا تنفتح لسماع الأغاني الفاسقة وأهواء المسارح، ولا تطلب الأمور السفلية، بل تبتعد عن كل تجربة زائلة. هذا هو ختان الأذن الذي تقدمه الكنيسة لأولادها، وفي رأيي أن هذه الأذن هي التي تحدث عنها المسيح في قوله: "من له أذنان للسمع فليسمع" (مت 13: 9). إذ لا يستطيع أحد أن يسمع كلام الرب النقي، كلام الحكمة والحق بأذن غير مختونة ولا طاهرة.

أما الشهيد استفانوس فيكشف لنا عن مفهوم القلب الأغلف غير المختون بأنه يقاوم الروح القدس، أي روح القداسة والطهارة، فعندما نشتعل بشهوات شهوانية، أقول باختصار، عندما نزني في قلوبنا (مت 5: 28) نكون غير مختوني القلب. عندما نرحب في داخلنا بأفكار الهراطقة، وعندما نهيج أفكارالتجديف في قلبنا ضد معرفة المسيح، نكون غير مختوني القلب. أما عندما نحتفظ بنقاوة الإيمان في استقامة الضمير فنكون مختوني القلب، ونستحق سماع الصوت: "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8).

يمكننا القول بأن أيدينا وأرجلنا ونظراتنا وحواسنا ولمساتنا تحتاج أيضًا إلى ختان. لكي يكون رجل الله كاملًا تمامًا يلزم اختتان كل أعضائه، فتمتنع اليدان عن السرقة والقتل وتمتدان لعمل الرب. يليق بالرجلين أن يُختنا فلا تسرعان إلى سفك الدم (مز 14: 3)، ولا إلى حيث مشورة الأشرار (مز 1: 1)، ولا يهدفان إلاّ إلى بلوغ ربنا والوصول إليه. يجب ختن العينين فلا تحسدان الأقرباء على الخير ولا تنظران إلى امرأة لتشتهياها (مت 5: 28)... وهكذا حتى إن كنا نأكل أو نشرب أو نفعل شيئًا لمجد الله (1 كو 10: 13). أنظر كيف يطلب الرسول الختان حتى في المذاق...؟

في الحقيقة عندما تخدم أعضاؤنا الظلم تكون غير مختتنة، ولا تكون في عهد مع الله، أما إن كانت تخدم البر (رو 6: 19) لتبلغ القداسة فيتحقق فيها الوعد المعطى لإبراهيم.

العلامة أوريجانوس