غني وكنز الروح القدس [1]


عن كنز المسيحين، الذي هو المسيح والروح القدس الذي يدربهم بطرق متنوعة، ليأتي بهم إلى الكمال

إن أولئك الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوي أي حصلوا على كنز الروح القدس، الذي هو الرب نفسه، مضيئًا في قلوبهم، فإنهم يتممون كل بر الفضائل وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم، وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البر معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المجتمع في داخلهم، ويعلمون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم. يقول الرسول «لنا هذا الكنز في أوان خزفية» (2كو 4: 7). أي الكنز الذي أعطى لهم في في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم.

النفس العريانة والمقفرة من شركة الروح، الواقعة تحت فقر الخطية المرعب لا تستطيع – حتى إذا رغبت – أن تثمر أي ثمر من ثمار روح البر بالحق، قبل أن تدخل في شركة الروح... أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح، وبالإيمان والثقة، وبصبر كثير تثمر ثمر الروح بسهولة وراحة.

ولنستخدم توضيحًا: إنسان غني يريد أن يصنع وليمة فاخرة فإنه يصرف من ثروته والكنز الذي يملكه، ولأنه غني جدًا فإنه لا يخاف من عدم كفاية أمواله لتجهيز كل لوازم الوليمة. وهكذا فإنه يكرم الضيوف الذي دعاهم. ببذخ وأبهة، واضعًا أمامهم أصنافًا كثيرة من المأكولات معدة بأحدث طرق التجهيز. وأما الفقير الذي ليس عنده مثل هذا الغني فإنه إذا رغب في عمل وليمة لأصدقاء قليلين فإنه يضطر أن يستعير كل شيء، من الأواني والأطباق والمفارش وكل شئ آخر، وبعد ذلك حينما تنتهي الوليمة ويخرج المدعوون فإنه يعيد كل الأشياء التي استعارها إلى أصحابها سواء أطباق فضة أو مفارش أو أي أشياء أخرى، وهكذا حينما يُرجع كل شئ يظل هو نفسه فقيرًا وعريانًا إذ ليس له غنى خاص يعزي به نفسه.

وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوي حقًا وشركة الروح في داخل نفوسهم، فإنهم حينما يكلمون أحدًا بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحية ويريدون أن يعزوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من غناهم ومن كنزهم الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم، ومن هذا الكنز يعزّون ويفرّحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم، ولا يخافون أن ينضب معينهم، لأنهم يملكون في داخلهم كنز الصلاح السماوي الذي يأخذون منه ليعزوا ويفرحوا ضيوفهم الروحيين.

أما الفقير الذي لا يملك غنى المسيح وليس عنده الغنى الروحي في داخل نفسه الذي هو ينبوع كل صلاح سواء في الأقوال أو الأعمال أو الأفكار الإلهية والأسرار التي لا ينطق بها. فحتى إذا أراد هذا الفقير أن يتكلم بكلمة الحق ويعزي بعض سامعيه بدون أن ينال في نفسه كلمة الله بالقوة والحق، فإنه يكرّر من الذاكرة ويقتبس فقط كلمات من أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس أو مما سمعه من الرجال الروحيين فيخبر ويعلم بها الآخرين. وهكذا يظهر كأنه يعزي ويفرح الآخرين، والأخرون يبتهجون بما يخبرهم ولكن بعد أن ينتهي من الكلام تعود كل كلمة إلى مصدر الأصلي الذي أُخذت منه ويبقى هذا الإنسان ويعود كما كان عريانًا وفقيرًا لأنه ليس له كنز الروح خاصًا به ليأخذ منه ويعزي ويفرح الآخرين إذ أنه هو نفسه لم يتعز أولًا ولا ابتهج بالروح.

لهذا السبب ينبغي لنا أولًا أن نطلب من الله باجتهاد قلب وبإيمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أي كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته. ولهذا فعندما نجد الرب أولًا في نفوسنا لمنفعتنا أي للخلاص والحياة الأبدية، فحينئذ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضًا إذ يصير هذا ممكنًا، لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحية ونكشف أمامهم أسرار السماء. لأن هذه هي مسرة صلاح الآب أن يسكن في كل من يؤمن به ويحبه «من يحبني يحبه ابي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي» ويقول أيضًا «إليه نأتي، أنا والآب، ونصنع عنده منزلًا» (يو 14: 21، 23)

هذا ما شاءه إحسان الآب غير المتناهي، وهذا ما سّرت به محبة المسيح الفائقة المعرفة، وهذا ما وعد به صلاح الروح الذي لا ينطق به. فالمجد للحنان غير المنطوق به الذي للثالوث الأقدس.

[1] انبا مقار، عظات القديس مقاريوس الكبير، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد (القاهرة: المركز الأرثوذكسي لدراسات الآباء، 2005) ، 191 - 194