عمل الروح القدس في تقديس الأعضاء

وهذه الأقوال التي قلتها لكم هي من أجل اتفاق الجسد والنفس في التوبة. فإذا نال العقل هذه النعمة، عند ذلك يطلب (يُصلي) بالروح القدس ويبتدئ أن يطرد عن النفس كل المصاعب التي تأتي عليها من شهوات القلب.

وهذا الروح (القدس) إن كان له شركة مع العقل ليساعده على حفظ الوصايا التي تعلَّمها، فإنه يرشده لينزع عن النفس تلك الأوجاع التي امتزجت بالجسد، واحدة بعد أخرى؛ وأيضًا الأوجاع التي لها (أي للنفس) خاصة وكائنة فيها. فالروح ينزعها تمامًا من قمة الرأس إلى أسفل القدمين:

  • فالعينان لتضيئا باستقامة وتنظرا بطهارة، ولا يبقي فيهما شيء غريب (دنس)

  • والأذنان ليسمعا بسلام لا بنميمة ولا بتعيير البتة، بل باستقامة وتراؤف على جميع الخليقة.

  • اللسان يتكلم بالطهارة، والنفس تعلم اللسان أن ينطق دائمًا بالخير؛ لأن هذه الأوجاع كلها كانت قد تسلطت عليها من اللسان، كما قال يعقوب الرسول: «إن من يقول إنني أخدم الله وهم لا يُلجم لسانه، فهو يُضل قلبه وتكون خدمته باطلة» (يع 1: 26). وهو يقول فى موضع آخر: «اللسان عضو صغير لكنه ينطق بالعطائم وينجس الجسد» (يع 3: 5، 6). ومثل هذا كثير في الكتب المقدسة. فإذا تقوي العقل وأخذ من الروح فإنه يتطهر، وعند ذلك يفحص عن كل كلام ينطق به اللسان حتى لا تكون فيه إرادة جسدية، وبهذا يكمل عليه قول سليمان (الحكيم): «الكلمات التي أُعطيتها من الله ليس فيها ميل ولا اعوجاج» (أم 8: 8). ويقول أيضًا: «لسان البار يشفي الأمراض» (أم 12: 18) .

  • وأيضًا للأيدي حركات أخرى تعمل في بعض الأوقات بهوى النفس، وهذا ليس من الواجب؛ لأن الروح أعدَّها للطهارة ولرفعها للصلاة وفعل الرحمة والعطاء، فيكمل عليها القول المكتوب من أجل هذه الصلوات الطاهرة: «رفع يدي كقربان المساء» (مز 140: 2). ويقول من أجل الرحمة والعطاء: «يد الأقوياء تعطى بسِعَة» (أم 10: 4).

  • والبطن أيضًا يتحرَّز من المآكل والمشارب كما يقول الروح على لسان داود النبي: «أني لم أُؤاكل الرغيب العين والشره القلب» (مز 100: 5). فإن تسلطت عليها (أي على البطن) كثرة المآكل والمشارب وعدم الشبع، واجتذبتها النفس الشهوانية إلى ذلك فإن قوة العدو تختلط معها.

  • فالذين يطلبون هذه الدرجة العالية من الطهارة، روح الله يهديهم إلى طرقه المستقيمة، ويثبتهم في الطهارة واستقامة الجسد، ويَكمل عليهم قول بولس الرسول: «إن أكلتم أو شربتم فكل ما تفعلونه يكون لمجد الله» (1كو 10: 31). لأنه إذا قويت هذه الثلاث الحركات المذكورة سابقًا على الجسد لتُمليه عن الاستقامة، فالذي يكون طالباً الخلاص بالحقيقة ينزعها عنه براحة ويتمسك بالطهارة. لأن الروح صار له ملجأ، ويزيده قوة، ويطفئ عنه كل الشرور المتحركة عليه، كما يعلمنا بولس الرسول قائلا: «أميتوا أعضاءكم التي على الأرض، أى الزني والنجاسة والأوجاع والشهوات الرديئة» (كو 3: 5)، وما يتبع ذلك.

  • والرجلان أيضًا إن كانتا ليستا بمستقيمتين ولم يسعيا بتحرز كإرادة الله فالقلب الذي امتلأ بالنعمة يضبطهما ويحركهما بإرادة الروح القدس ليخدما في الأمور الحسنة، لكي يتكمَّل الجسد بجميع الحسنات ويرجع تحت سلطان الروح القدس. وأنا أقول إن ذلك الجسد قد اتخذ شيئًا من الجسد (الروحي) المزمع أن يقوم في قيامة الصدَّيقين.

وما قلناه هو من أجل أوجاع النفس التي امتزجت مع الجسد وهي تُحركه إلى الميل والانجذاب نحو الأوجاع الشريرة بخدمتها في جميع الأعضاء. ومن ناحية أخرى أقول إن للنفس أيضًا حركات أخرى تخصها، وأوجاع مختلفة غير أوجاع الجسد، نريد أن نعرفكم بها. وهي: كبرياء، تعيير الناس، غضب، ضعف القلب، عدم النضباط، وبقية الآلام. فإن أسلمت ذاتها للرب بكل قوتها، فإن الله الصالح يعطيها التوبة الحقيقية، ويُظهر لها هذه الأوجاع واحدة لكي تحيد عنها، ولا تقوى عليها حركات العدو من خلال التجارب، لأن قصدهم (أي الشياطين) أن لا تخلص منهم.

فإن دامت النفس على الصبر والاستماع الحسن للروح القدس الذي يجتذبها للتوبة، فإن الخالق الرؤوف يتحنن على تعبها وعلى أتعاب الجسد التي هي: كثرة الصوم، والسهر الكثير، والهذيذ فى كتب الله، والصلاة بغير فتور، والخدمة لجميع الناس بطهارة القلب ومسكنة الروح. فإذا دامت في هذه كلها، فإن الرب الصالح ينظر إليها وينجيها من جميع التجارب، ويخلصها برحمته ويرحمها، لأنه محب البشر، ويحق له التسبيح والتمجيد مع أبيه الصالح والروح القدس الآن وكل أوان إلى دهر الدهور. آمين

من رسائل القديس أنطونيوس – الرسالة الأولى