لم تعد نفسك مدوسة

داود يدخل أورشليم ( 2 صم 5: 6 – 10؛ 1 أخ 11: 4 – 8)

«وَذَهَبَ الْمَلِكُ وَرِجَالُهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانِ الأَرْضِ. فَكَلَّمُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لاَ تَدْخُلْ إِلَى هُنَا، مَا لَمْ تَنْزِعِ الْعُمْيَانَ وَالْعُرْجَ».[1] أَيْ لاَ يَدْخُلُ دَاوُدُ إِلَى هُنَا. وَأَخَذَ دَاوُدُ حِصْنَ صِهْيَوْنَ، هِيَ مَدِينَةُ دَاوُدَ. وَقَالَ دَاوُدُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: «إِنَّ الَّذِي يَضْرِبُ الْيَبُوسِيِّينَ وَيَبْلُغُ إِلَى الْقَنَاةِ وَالْعُرْجِ وَالْعُمْيِ الْمُبْغَضِينَ مِنْ نَفْسِ دَاوُدَ»[2]. لِذلِكَ يَقُولُونَ: «لاَ يَدْخُلِ الْبَيْتَ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجُ.» وَأَقَامَ دَاوُدُ فِي الْحِصْنِ وَسَمَّاهُ «مَدِينَةَ دَاوُدَ». وَبَنَى دَاوُدُ مُسْتَدِيرًا مِنَ الْقَلْعَةِ فَدَاخِلًا. وَكَانَ دَاوُدُ يَتَزَايَدُ مُتَعَظِّمًا، وَالرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ مَعَهُ.»

«وَذَهَبَ دَاوُدُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، أَيْ يَبُوسَ. وَهُنَاكَ الْيَبُوسِيُّونَ سُكَّانُ الأَرْضِ. وَقَالَ سُكَّانُ يَبُوسَ لِدَاوُدَ: «لاَ تَدْخُلْ إِلَى هُنَا». فَأَخَذَ دَاوُدُ حِصْنَ صِهْيَوْنَ، هِيَ مَدِينَةُ دَاوُدَ. وَقَالَ دَاوُدُ: «إِنَّ الَّذِي يَضْرِبُ الْيَبُوسِيِّينَ أَوَّلًا يَكُونُ رَأْسًا وَقَائِدًا». فَصَعِدَ أَوَّلًا يُوآبُ ابْنُ صَرُويَةَ، فَصَارَ رَأْسًا. وَأَقَامَ دَاوُدُ فِي الْحِصْنِ، لِذلِكَ دَعَوْهُ «مَدِينَةَ دَاوُدَ.» وَبَنَى الْمَدِينَةَ حَوَالَيْهَا مِنَ الْقَلْعَةِ إِلَى مَا حَوْلِهَا. وَيُوآبُ جَدَّدَ سَائِرَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ دَاوُدُ يَتَزَايَدُ مُتَعَظِّمًا وَرَبُّ الْجُنُودِ مَعَهُ.»

كانت مدينة أورشليم تُسمى قديمًا «يَبُوس» نسبةً إلى الشعب الذي كان يقطنها و هو «اليبوسيون» وهي ضمن أرض الميعاد لإبراهيم منذ قطع اللهُ معه عهدًا في تك 15: 21 ودائمًا ما يأتي ذكرها ضمن الشعوب التي سيطردهم الله من أمام شعبه في دخولهم لأرض كنعان (راجع خر 3: 8، 17؛ 13: 5؛ 23: 23؛ 33:2؛ 34: 11؛ تث 7: 1؛ 20: 17؛ يش 3: 10) إلا أن هذه المدينة استعصت على سبطي يهوذا وبنيامين فلم يستطيع كلاهما أن يطردا منها اليبوسيين فسكنا بجوارهم كما نعلم من يش 15: 63؛ قض 1: 21. إذًا يبدو أن هذه المدينة كانت حصينة جدًا وواثقة من قُوَّتِها حتى أنها أرسلت تقول لداود أن العُمي والعُرج الذين بالمدينة سَيَتَكَفَلُون بِصَدِّ هجومك ودفعك بعيدًا. ويبدو أيضًا أنها تدخل ضمن نطاق ميراث يهوذا وبنيامين وأنها كانت حُلمًا لكل منهما ولكنه لم يتحقق حتى الآن (يش 15: 63؛ قض 1: 21) وكانت حُلمًا لداود منذ يوم انتصر على جُليات الجبار وقطع رأسه؛ إذ أرسل الرأس إلى «يَبُوس» أو «أورشليم» (راجع 1 صم 17: 54) في إشارة واضحة لليبوسيين، مَفَادُها «إننا قادمون».

قد يكون مضى على هذا الأمر نحو عشر سنوات، والآن داود يتخذ قراره بالهجوم عليها، إذ رأى أن الوقتَ مناسبٌ جدًا؛ قبل أن يسمع الفلسطينيون بتجليسه ملكًا على كل إسرائيل، و أيضًا من أجل أن يفتتح رئاسته على المملكة المتحدة بنصرٍ عسكريٍ وإيمانيِّ لم يسبقه إليه أحدٌ، ويجعل من «يَبُوس» عاصمةً للمملكة المتحدة، خاصةً بسبب وجودها ضمن نطاق ميراث سبطي يهوذا وبنيامين وبالتالي تُعبِّر عن الوحدة، لأن شاول الملك الأول كان من سبط بنيامين، والآن، الملك الحالي من سبط يهوذا .

كان ليوآب بن صروية الدور البارز في الفوز بالمدينة بل وتجديدها وبهذا استرد مكانته لدى داود والتي كانت قد تأثرت بسبب حماقته في قتل أبنير قائد جيش شاول وإيشبوشث. وأقام داود في الحصن الذي في صهيون وسُمِّيَ «مدينة داود».

المسيح في النص

إن «يَبُوس» في العبرية יְבוּס [3] و في الأصل تأتي من فعل בּוּס [4] أي يدوس وقد سُميت بهذا الاسم بسببٍ من الشعب الذي سكنها «اليبوسيون» أي الذي يدوسون بأقدامهم. ولكن حينما أخذها داود عادت إلى اسمها الأصلي «أورشليم»[5] وفي العبرية יְרוּשָׁלַם يروشاليم وهي مُكَوَّنة من مقطعين؛ أولهما، יְרוּאֵל (يروإيل) وتعني مؤسسة من إيل[6] (اسم من أسماء الرب) وثانيهما، שָׁלַם (شالام) وتعني «ليكون كاملًا» [7] وربما من هنا سُميت «مدينة السلام» لأن معنى من معاني السلام أن يكون الشيء مكتمل، فسلام القلب يعني أن يكون القلب وحدة واحدة غير مجزئ.

إذًا مدينة أورشليم تعني تلك التي المدينة المؤسسة من إيل (الله) لتكون كاملة، ولكن حينما اقتحمها وسيطر عليها هؤلاء اليبوسيون «الدائسون»، صارت «للدَوسِ» أو «مدوسة» ولكن حينما استردها مسيحُ الربِّ، عادت لاسمها الأول «أورشليم» أي الكاملة المؤسسة من الله. من هي أورشليم، إلا تلك النفس الحَيَّة المخلوقة من الله لتكون كاملة «كشبهه» والتي حينما سقطت بيد الشياطين، داسوها، فصارت «مدوسة» حتى أتى إليها مسيحُ الرب الحقيقي، ربُّنا يسوع المسيح واستعادها من هؤلاء اللصوص وخَلَّصها من كل أعمى وأعرج، أي وهبها البصيرة وحَرَّرَ الإرادة. كانت الشياطين تُعَوِّل على أنهم أصابوا أنفسنا بالعمى وحَطَّموا إرادتنا فصارت نفوسنا عمياء وعرجاء، لكن مجدًا لمسيحنا الذي فتح أعين بصيرتنا وأستأصل منها العمى وحَرَّرَ إرادتنا ولم تعد نفوسنا عرجاء، بل وأقام له فيها حصنًا منيعًا بسكنى روحه القدوس، ودعاها «مدينة الرب».



[1] أي أن العميان و العرج في أورشليم كفيلين بالدفاع عنها و منع داود من الدخول.

[2] في السبعينية " المُبغِضِين نفسَ داودَ"

[3] https://biblehub.com/hebrew/2982.htm

[4] https://biblehub.com/hebrew/947.htm

[5] المعنى المتداول لأورشليم أنها مدينة السلام، انظر https://biblehub.com/hebrew/3389.htm

[6] https://biblehub.com/hebrew/3385.htm

[7] https://biblehub.com/hebrew/7999.htm