كيف نظرت الكنيسة لحادثة هروب الطفل يسوع ومجيئه مع العائلة المقدسة إلى مصر

يقول القديس أوغسطينوس [أما من جهتي فأنا لا أؤمن بالإنجيل إلا كما يوجهني إليه سلطان الكنيسة.][1]

فإن كلمات الكتاب المقدس ليست دائمًا يمكن فهمها بالتفسير الذاتي. الله يتكلم مباشرة إلى قلب كل واحد فينا بينما نحن نقرأ كتابنا المقدس . قراءة الكتاب المقدس هى حديث شخصي بين كل واحد والمسيح ولكننا دائمًا نحتاج إلى إرشاد. ومرشدنا هو الكنيسة. نحن نستفيد استفادة كاملة من فهمنا الشخصي المؤيد بالروح القدس، وأيضا نحن نستفيد استفادة تامة من الاكتشافات الخاصة بالبحث الحديث فى الكتاب المقدس، ولكن دائمًا نحن في النهاية نُخضع سواء آراءنا الشخصية أو آراء العلماء لمجمل تقليد الكنيسة وخبرتها عبر العصور.

لطالما استشهد الهراطقة بآيات من الكتاب المقدس ليثبتوا بها عقائدهم الفاسدة، لذا من المهم أن نقرأ الكتاب بتوافق مع الكنيسة وليس منحرفو الإيمان. القديس إيريناؤس في كتابه ضد الهرطقات، وفي دفاعه ضد الغنوسيين يورد تشبيه رائع عن أهمية الاستناد إلى قانون إيمان الكنيسة في فهم نصوص الكتاب :

صنع فنان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجواهر الثمينة، لكن شخصًا آخر فك هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوبٍ آخر ليقدم صورة كلب أو ثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنان الأول، وتعلل قائلًا إن الحجارة أو الفسيفساء أصيلة. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدم وضاع.[2]

الذي يدعوه القديس إيريناؤس بـــــ «التصميم الأصلي» هو قانون إيمان المعمودية، والذي يساوي لنا قانون نيقيه – القسطنطينية والذي لا يضيف شيئًا على الكتاب المقدس بل يعطينا الإطار الحي الذي من خلاله يٌفهم «القصد الحقيقي» من الكتاب المقدس. إذن فنحن نقرأ الكتاب المقدس شخصيًا، ولكن ليس كأفراد منفصلين. نحن نقرأ كأعضاء فى أسرة، أسرة الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وعند قراءة الكتاب المقدس، نحن لا نقول «أنا» بل نحن. نحن نقرأ فى شركة مع كل الأعضاء الآخرين فى جسد المسيح، فى كل أنحاء العالم فى كل أجيال الزمان وهذا المدخل تحديدًا يميز التوجه الأرثوذكسي عن التوجه الفردي الحر البروتستانتي.

الاختبار الحاسم والمقياس لفهمنا للمعنى الذي يقصده نص ما في «الكتاب المقدس» هو عقل الكنيسة، لأن الكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة (لأنه كُتب بوحي الروح القدس الساكن في الكنيسة لأعضاء من الكنيسة وموجه أيضًا لأعضاء آخرين من الكنيسة).

لكى نكتشف «عقل الكنيسة» هذا، فمن أين نبدأ؟ كما تكلمنا منذ قليل، علينا أن نستخدم مقياس «قانون الإيمان» ولكن أيضًا نضيف الآن مقياس آخر هو «قانون العبادة» أي أن نرى كيف يتم استخدام الكتاب المقدس فى العبادة. كيف يتم اختيار فصول كتابية بعينها لأجل القراءة فى الأعياد المختلفة؟ قراءة الكتاب المقدس بهذه الطريقة هو أسلوب ليتورجي، ومعظم التفسيرات الغربية لا تستخدم هذا المدخل الطقسي أيضًا والمرتبط بكتابات آباء الكنيسة.

فلنأخذ مثالًا لذلك، دعونا ننظر على الفصول التي تقرأها الكنيسة في عيد هروب أو مجيء العائلة المقدسة إلى مصر و هما مجموعتان من القراءات؛ الأحد الأول من طوبه والذي يلي مباشرة عيد الميلاد المجيد ويوم 24 بشنس الذي تحتفل فيه كنيستنا القبطية بدخول المسيح إلى أرض مصر:

  1. الأحد الأول من طوبه

  • مزمور العشية (مز 46: 1، 2) «يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم. هللوا لله بصوت الابتهاج. لأن الرب عليَّ ومرهوب. ملك عظيم على كافة الأرض.»

  • البولس (رو 15: 4 – 19) «وأما الأمم فيمجدون الله من أجل الرحمة، كما هو مكتوب: من أجل ذلك سأعترف بك يا رب بين الأمم وأرتل لاسمك. ويقول أيضًا: تهللوا أيتها الأمم مع شعبه ويقول أيضًا: سبحوا الرب يا جميع الأمم وامدحوه يا جميع الشعوب. وأيضًا يقول إشعياء : سيكون أصل يسى والقائم ليقود الأمم، على اسمه سيكون رجاء الأمم....»

  • الإبركسيس (أع 14: 24 – 15: 1 – 3 ) «.... أخبرا بكل ما صنع الله معهما وأنه فتح للأمم باب الإيمان.... اجتازوا في فينيقية والسامرة يخبرونهم برجوع الأمم، وكانوا يصنعون سرورًا عظيمًا لجميع الإخوة.»

  • (مزمور 97: 2، 3) «أعلن الرب خلاصه قدام الأمم. وكشف عدله لهم. ذكر رحمته ليعقوب. وحقه لبيت إسرائيل. هليلويا»

  • (الإنجيل مت 2: 13 – 23) «قم و خذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر... لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: من مصر دعوت ابني.»

  1. 24 بشنس

  • مزمور العشية (104: 11، 12( «فدخل إسرائيل إلى مصر. ويعقوب سكن أرض حام. جعل فيها أقوال آياته. وعجائبه في مصر.»

  • إنجيل العشية (مت 4: 12 – 17( «أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر جليل الأمم. الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا والجالسون في الكورة وظلال الموت أشرق عليهم النور.»

  • مزمور باكر (105: 14، 3( «الذي صنع العظائم في مصر. والعجائب في أرض حام.»

  • إنجيل باكر (مت 12: 15 – 23( «أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق ....»

  • البولس (أف 2: 1 – 22( «وأنتم أيضًا إذ كنتم أمواتًا بزلاتكم وخطاياكم. التي سلكتم فيها قبلًا حسب دهر هذا العالم.... ونحن أمواتًا بزلاتنا أحيانا مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... لذلك اذكروا أنتم أيضًا الأمم قبلًا في الجسد المدعوين غرلة من المدعو ختانًا مصنوعًا باليد في الجسد. أنكم كنتم في ذلك الزمان بدون مسيح أجنبيين عن سيرة إسرائيل وغرباء عن عهود الموعد لا رجاء لكم وبلا إله في العالم. ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم البعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط وأبطل العداوة بجسده.... وبشركم بسلام أنتم أيها البعيدين وبسلام أنتم القريبين....»

  • الإبركسيس (أع 7: 20 – 34) «موسى الطفل يتربى في مصر ويُستدعى ثانية كمخلص ليذهب لمصر، وهو الذي قال أن نبيا مثلي يقيم لكم الرب من إخوتك له تسمعون.»

  • إنجيل القداس (مت 2: 13 – 23)


الشرح:

الذي يتأمل ارتباط هذه الفصول، سيفهم كيف نظرت الكنيسة لحادثة هروب الطفل يسوع ومجيئه مع العائلة المقدسة إلى مصر؛ إنها ببساطة كرازة للأمم في شخص مصر الذي اشتهرت في العهد القديم بتعدد الآلهة وكان فرعونها رمزًا لإبليس، مجيء المسيح إليها هو إعلان قبول الأمم الوثنيين الذين كانوا بعيدين عن رعوية إسرائيل وبلا إله ولا رجاء في العالم. إنها كرازة للجالسين في الظلمة وظلال الموت وتعبير عن عموم وشمول ملكوت الله ليضم اليهود والأمم. إنه أيضًا إتمام للنبوات التي قيلت في إشعياء وفي هوشع وإظهار الأصل من مثال موسى الذي دُعي ليأتي إلى مصر مخلصًا والشعب العبراني الذي دُعي ليخرج من مصر.

إذا أُخذ نص (مت 2: 13 – 23) ليفسر في المعاهد الأكاديمية غير الكنسية، سينصب كل جهودهم على الأسلوب الأدبي واللغوي للنص والسياق التاريخي لقتل أطفال بيت لحم والبحث في أدلة مجيء المسيح لمصر وهل هو حدث حقيقي أم لا وهل أرخيلاوس بالفعل هو الذي خلف هيرودس وغيرها من التفاصيل التي لن تتطرق للقصد والغاية الخلاصية من هذه الزيارة وهي الكرازة للأمم، وبهذا فهذا المنهج العلمي الأكاديمي قد يساعد في فهم تفاصيل نص معين ولكن سيبقى المعنى الحقيقي للنص في الكنيسة وليس الجامعة. النص في الكنيسة فقط سيُفسر بحسب غاية و قصد الكتاب بحسب تعبير القديس أثناسيوس الرسولي. وبالأخذ بهذا الأسلوب وهو كيفية اختيار الكنيسة لقراءات الأعياد المتنوعة، فإننا نكتشف طبقات لتفسير الكتاب المقدس والتي تبدو عند قراءتنا لها لأول مرة، أنها بلا معاني واضحة.


[1] متى المسكين، كلمة الله: شهادة وخدمة وحياة (وادي النطرون: دير القديس أنبا مقار، 1985) ص.51

[2] جورج فلوروفسكي، الكتاب المقدس و الكنيسة و التقليد. ترجمة الأب ميشال نجم (بيروت: منشورات النور، 1984) ص. 97، 98.

مأخوذ من كتاب " كلمتي" إصدار مدرسة راكوتي

https://www.rakoty.org/events/myword