قمة الإيمان - الدعوة والخروج

كان إيمان إبراهيم فذاً فريداً فهو أول من ترك اباه وأمه وأرضه وعشيرته وبيت أبيه وذهب وراء الله الذى دعاه ليتبعه، كما لو كان قد سمع صوت المسيح الذي أتي بعده بحوالي ألفي عام وهو يقول: "من يحب أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقني" (مت 10: 37).

كان إيمان إبراهيم ينمو من خلال رحلة حياته كلها، وسرٌّ يُختبر من خلال المواقف الحياتية اليومية التي يتعرض لها إبراهيم وكلما ينمو إيمانه يُعلن له سر جديد من خلال تحدٍ جديد يظهر في حياته ويقوده الي خطوة أعمق في علاقته مع الله. من ناحية أخري ظهر الله في تعاملاته مع إبراهيم كأب يهذب ويُعلم، ليس ذلك فقط لكنه أب يريد أن «يُبارك» ابنه ويُنميه في ثقته فيه ويُخبره ويشاركه بأسرار ويُطلعه علي أمور مستقبليه في حوار تُحيط به أجواء الصداقة والأبوة معاً كـ «دردشة» بين إثنين تجمعهم أقوي الرباطات في علاقتهم ببعضهم البعض، كأبٍ مع ابنه القريب جداً الي قلبه.

يظهر معه في تحديات الحياة وفي معارك الدنيا وظروفها وقسوتها حتي و إن بدا يختفي أحياناً لكنه لم يكن كذلك، فإن كان مختفياً (أي لا يراه إبراهيم في المشهد) هذا لا يعني أنه لم يكن موجوداً وهذا ما يعكس أن إيمان إبراهيم لم يكن قفزات في الظلام لكنها كانت خطوات ملقاة بالكامل علي عناية الله الذي دعاه حتي وان بدت الأمور ضبابية وغير واضحة المعالم إلا أن إيمانه بالقادر المعتني به وبعائلته هو الذي كان يدفعه طيلة الوقت للحركة للإمام حتي في أوقات الضعف والحيرة لم يُترك إبراهيم من الله بل ظهرت تلك العناية الإلهية التي تحيط به أمام ملوك عظماء. كانت عناية الله ترافقه دون أن تمنع نموه ونضوجه الشخصي في الإيمان وفي علاقته بالله التي كانت تنمو في كل موقف حتي وصلت به لدرجة من الطاعة والخضوع بإيمان أن يقدم ابنه ذبيحة واثقاً في الله الذي سيقيمة من الموت، هذه الثقة لم تكن وليدة يوم وليلة بل كانت رحلة الحياة كلها.

التطبيق الروحي في حياتنا كشباب:

الرب الذي دعى أبرام للخروج ورائه، يدعونا نحن أيضًا للخروج؛ الخروج له معانٍ كثير فهو يعنى الخروج من دوائر الشر «اخرجوا من وسطهم واعتزلوا، يقول الرب ولا تمسوا نجسًا فأقبلكم.» (2كو 6: 17). إن الرب يدعونا أن نقطع علاقاتنا بالأوساط الشريرة (المعاشرات الرديئة) والعلاقات غير المقدسة سواء كانت جسدية أو رقمية عبر مواقع التواصل الإجتماعي. الرب يدعونا أن نخرج لكي يباركنا ويجعلنا بركة كما قال لأبرام. في حديث إبراهيم مع أبيمالك، يصف ما فعله معه الرب و يقول «وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي.» (تك20: 13)، ما أجمل أن يتيهنا الرب عن أماكن الشر والخطية لنسير ورائه، ما أجمل الشاب التائه عن الشر والعابر وراء الرب تاركًا وراء ظهره كل ما يبعده عنه أو يفصله منه.

الخروج أيضًا يعني التكريس للرب، فالرهبنة والتكريس البتولي والتكريس الكهنوتي، كلها دعوات للخروج وراء الرب ليس فيها ضمانات سوى أمانة الله وأي محاولة لجمع ضمانات غير أمانة الله هو أمر يسلب الخروج جماله وروعته وقيمته وتأثيره.


الآباء البطاركة - أبونا إبراهيم

برنامج الطعام القوي - الجزء الأول - المحاضرة الثامنة